اندفعت نحوهما بخطوات سريعة وهي تلهث، وقبل أن تصل تماماً صاحت بصوت مزيج من التوتر والغضب المصطنع:— “إنتِ بتعملي إيه هنا يا مريم؟! وسايبة قفص الفاكهة ليه؟! اطلعي على البيت حالاً، الفلوس دي وراها مصاريف كتير!” لم تتحرك مريم، وظلت ناظرة إلى زوجة أبيها بنظرات محملة بأسئلة لا حصر لها.
أما الست نادية، فوقفت بثبات وشموخ، ورمقت زوجة الأب بنظرة حادة أفقدتها صوابها. قالت الست نادية بصوت هادئ لكنه يحمل قوة مرعبة:— “استهدي بالله يا ست الكل.. مريم مش رايحة في حتة قبل ما تفهم كل حرف مكتوب في الجواب ده.
. ولا خايفة إن الحقيقة تظهر؟” شحب وجه زوجة الأب تماماً، وابتلعت ريقها صعوبة بالغة وهي تحاول إنهاء الموقف:— “حقيقة إيه وبتاع إيه؟! دي بنت كدابة وناكرة للجميل.. أنا اللي ربيتها وسهرت على لياليها بعد ما أمها هربت وسابتها!
” هنا قاطعتها الست نادية بصوت صارم هز الشارع:— “اكذبي على أي حد تاني، إلا أنا!أنا دورت على ماجدة سنين طويلة، وعارفة كويس مين هي ماجدة، وعارفة كمان إنها مستحيل كانت تسيب بنتها بمحض إرادتها.. والجواب ده هو اللي هيكشف كل حاجة.
” التفتت مريم بسرعة إلى الظرف، وبأصابع مرتعشة نزعت الغطاء وأخرجت الورقة المكتوبة بخط يد أمها الراحلة. بدأت تقرأ الكلمات والدموع تغرق عينيها: “ابنتي الحبيبة مريم.. لو قرأتِ هذا الجواب يوماً، فاعلمي أنني لم أترككِ قط بملء إرادتي.
لقد تركت لكِ كل ما أملك من مدخرات أودعتها عند زوج أبيكِ لكي تكون سنداً لكِ في تعليمك ومستقبلِك.. أوصيتكِ بالصبر، وكنت أعلم أن يوماً سيأتي وينجلي فيه هذا الظلــ,,ـــــم. أحبك يا ابنتي.. يا لحن عمري الجميل.
” سقطت الدموع بغزارة على وجه مريم، ورفعت رأسها لتنظر إلى زوجة أبيها التي انهارت تماماً على الرصيف، وقد انكشف أمر طمعها وسرقتها لمدخرات ماجدة وحرمان اليتيمة من حقها في التعليم. لم تضيّق الست نادية الوقت؛
فقد اتخذت قراراً فورياً غيّر مجرى حياة مريم للأبد، وأصدـ,,ـــرت أمراً حاسماً للشرطة والمحامين المرافقين لها لاتخاذ الإجراءات القانونية ضد زوجة الأب لاسترداد كافة حقوق مريم وأموال أمها المسلوبة. وفي اليوم التالي، لم تكن مريم تمشي في شوارع الحسين حاملة قفص الفاكهة على رأسها بعد الظهيرة، بل كانت تجلس في أحد أفضل الفصول الدراسية، ترتدي ملابس نظيفة، وتفتح كتابها المدرسي وابتسامة واسعة تعلو وجهها.
أما الست نادية، فلم تكتفِ باستعادة أثر صديقة عمرها، بل تبنّت مستقبل مريم بالكامل، وفتحت لها أبواب شركتها الكبرى لتعلمها أسرار التجارة والإدارة، تماماً كما علمت ماجدة الأمل لنادية قبل سبعة عشر عاماً. وفي كل مساء، كانت مريم تقف في شرفة منزلها الجديد، تنظر إلى السماء وتهمس لنفسها بصوت دافئ:— “اطمئني يا أمي.
. الأغنية لم تمت، والأمل الذي زرعتِهِ أزهر، وعُدتُ إلى طريقي من جديد.” لحن الوفاء حكايات شروق خالد “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.