أنا سرقت الورقة دي من مكتب مبروك من يومين، وكنت مستني الفرصة أسلمها لحد يقدر يحميها.حمدان فتح الظرف، ولقى عقد ملكية قديم لأرض الوادي، عليه ختم رسمي وتوقيع منصور بيه، ومعاه شهادة مكتوبة بخط إيد أمينة، أم زينب.
زينب مسكت الورقة، ولما شافت خط أمها، دموعها نزلت. — دي خط أمي. حمدان قرأ الشهادة بصوت واطي، وكانت بتقول إن منصور بيه اكتشف إن بعض رجاله بيزوروا عقود الأراضي وبيستولوا على ممتلكات
الفلاحين، وإنه قرر يسلم المستندات للجهات المختصة. لكنها كانت شاهدة على اجتماع حصل في المخزن القديم، وفي الليلة دي اندلع الحريق اللي اتوفى فيه منصور بيه. وفي آخر الشهادة، كانت أمينة كاتبة: “لو حصل لي حاجة، يبقى اللي بيحاول يدفن الحقيقة هو نفسه اللي كان سبب في وفاة منصور.
” حمدان رفع عينيه لزينب. — أمك كانت عارفة مين اللي عمل الحريقة. زينب هزت راسها ببطء. — وعشان كده اتوفت. عوض اتدخل بصوت مبحوح: — مش بس كده. أبو زينب كان معاهم في الليلة دي. هو ما ولعش النار بنفسه، لكنه ساعدهم يهربوا الورق، وبعدها عاش طول عمره خايف إن حد يكشفه.
ولما زينب بقت تسأل عن اللي حصل، بدأ يضايقها ويهددها. زينب قفلت عينيها، وكأنها بتحاول تجمع نفسها من جديد. — أنا كنت فاكرة إن أبويا بيكرهني عشان وشي، لكن هو كان بيكرهني عشان كنت بفكره باللي عمله. حمدان حط إيده على كتفها، من غير ما يضغط. —
الحقيقة مش هتغير اللي حصل، لكنها ممكن تمنعهم يأذوا حد تاني.وبعد ساعات قليلة، كان التلاتة في طريقهم للبلد، ومعاهم الأوراق والمفتاح، وهم عارفين إن المواجهة دي مش هتكون سهلة. عند مدخل السوق، الناس بدأت تتجمع أول ما شافوا حمدان وزينب.
همسات اتنقلت من واحد للتاني، وبعض الستات شدوا عيالهم بعيد، ورجالة كتير وقفوا يتفرجوا من غير ما يتكلموا. مبروك كان واقف على مصطبة قدام الدكان، وبجانبه أبو زينب، راجل هزيل، شعره أبيض، وعينيه غارقة في خوف قديم.
أول ما شاف زينب، وشه اتغير. — إنتِ رجعتي ليه؟ مش قولتلك لو رجعتي هكون السبب في اللي هيحصل؟
زينب وقفت قدامه، وصوتها كان بيرتعش في أوله، لكنه ثبت مع كل كلمة: — أنا رجعت عشان أعرفك إنك ما بقيتش تقدر تخوفني. إنتَ خذلتني لما كنت محتاجة أب، وبعتني لما كنت محتاجة بيت، وخلّيتني أصدق سنين إني السبب في وفاة أمي. لكن أنا مش السبب، وإنت عارف ده كويس.
أبوها فتح بقه، لكنه ما عرفش يرد. مبروك رفع صوته عشان يغطي على كلامها: — كفاية كذب! البنت دي عقلها راح من يوم الحريقة! وحمدان خطفها عشان يغطوا على جرائمهم! حمدان تقدم خطوة، وطلع عقد الملكية. — يبقى خلينا نسمع الحقيقة من الورق، مش من لسانك.
مبروك شحب، لكنه حاول يضحك. — ورق إيه؟ ورق مزور! عوض تقدم من بين الناس. — الورق ده أصلي، وأنا شفت النسخة اللي كانت في مكتبك. وإنت بنفسك قلت إنك لازم تلاقي مفتاح الصندوق قبل ما زينب تفتحه.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.