— ادخلوا هاتوا البنت! أول راجل حاول يعدي، لكن حمدان دفعه بقوة ناحية الحيطة. التاني هجم عليه، فحمدان صد ضربته، ومسَك دراعه ولفه لحد ما العصاية وقعت من إيده.
في لحظات، الصالة الصغيرة اتحولت لمعركة، والكراسي اتقلبت، والفخار اتكسر على الأرض. زينب كانت واقفة عند الباب، شايفة مبروك بيحاول يتسلل من ورا حمدان ناحية الصندوق.
صرخت: — حمدان! الصندوق! حمدان لف بسرعة، لكن مبروك كان وصل للترابيزة، وخطف المفتاح النحاسي اللي كان لسه موجود جنب الدفتر. زينب جريت عليه، ومسكت إيده بكل قوتها. — رجعه! مبروك زقها، فوقعت على الأرض، والمفتاح طار من إيده واستقر تحت الكانون.
حمدان اندفع ناحية مبروك، لكن واحد من رجالة مبروك ضربه بقطعة خشب على كتفه، فوقع على ركبة واحدة. مبروك استغل اللحظة، وجرى ناحية الباب وهو بيصرخ: — المرة الجاية مش هسيب حد فيكم في حاله!
رجالته انسحبوا وراه، وفضل حمدان واقف بالعافية، حاطط إيده على كتفه، بينما زينب جريت تجيب المفتاح من تحت الكانون. لما رجعت له، كانت عينيها مليانة دموع وغضب. —
أنا السبب. لو ما كنتش جيت هنا، ما كانش حد أذاك. حمدان بص لها بحدة. — ما تقوليش الكلمة دي تاني. — بس… — مفيش بس! اللي أذاني هو اللي اختار يرفع إيده عليا. إنتِ مش مسؤولة عن شر حد تاني، فاهمة؟ زينب سكتت، وحطت المفتاح في كفها.
حمدان قعد على الكرسي، وطلب منها تجيب له شاش ومية، ولما بدأت تنظف الجرح، كانت إيديها بتترعش. — إنتَ ممكن تتأذى بسببي. حمدان رفع عينيه لها. — كلنا ممكن نتأذى في أي لحظة، لكن الفرق إن الواحد يعيش وهو ساكت عن الظلم، ولا يعيش وهو بيحاول يمنعه.
وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: — وبعدين أنا لسه ما أكلتش العشا بتاعي.
مش ناوي أتأذى قبل ما آكل. رغم خوفها، زينب ضحكت غصب عنها، وكانت دي أول ضحكة حقيقية تطلع منها من سنين. لكن الصبح اللي جه بعد الليلة دي، ما جابش الراحة اللي كانوا مستنيينها. من أول ما الشمس طلعت، بدأوا يسمعوا أصوات بعيدة جاية من ناحية الطريق، وبعدها لمح حمدان دخان بيتصاعد من ناحية القرية.
وفي نفس اللحظة، وصل عوض على حصانه، وشه أصفر وهدومه متربة. نزل وهو بيجري. — الحق يا حمدان! مبروك ولّع في مخزنك اللي عند طرف البلد، وبيقول للناس إنك خطفت زينب واتسببت في أذى رجاله!
حمدان قام من مكانه، وعينيه بقت زي الجمر. — والناس صدقته؟ عوض هز راسه بأسى. — بعضهم. وهو رايح دلوقتي للشيخ عبدالتواب
، وبيحاول يخليه يطلع أمر بطردك من الجبل، وبيقول إن عنده شهود إنك مجرم. زينب خرجت من الأوضة، وكانت سمعت كل حاجة. — هو عايز يخلينا نهرب. حمدان بص لها. — وهنعمل إيه؟ زينب رفعت راسها، وقالت لأول مرة بثقة: — مش هنهرب. هنروح البلد، ونواجهه قدام الناس كلها.
حمدان اتأملها لحظة، وشاف في عينيها حاجة ما كانتش موجودة امبارح. الخوف لسه موجود، لكنه ما بقاش هو اللي بيحكمها. — يبقى نروح. لكن قبل ما يتحركوا، عوض مد إيده بظرف ورق قديم. — فيه حاجة لازم تعرفوها.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.