فضل حمدان يقلبه بين صوابعه، لحد ما لاحظ علامة صغيرة محفورة على رأسه، شكلها زي جبل وفوقه هلال. العلامة دي شافها قبل كده. كانت محفورة على صندوق خشب قديم أبوه سابه له قبل ما يتوفى، وقال له إنه ما يفتحوش غير لما ييجي اليوم اللي يحس فيه إن الحقيقة أهم من خوفه.
حمدان قام فجأة، وراح ناحية دولاب قديم في ركن البيت، وطلع منه صندوق صغير متغطي بالتراب. حطه على الترابيزة، وفتح القفل الحديدي اللي كان صدئ من سنين. جواه كانت فيه أوراق قديمة، وصورة باهتة لراجل واقف جنب طفل صغير، ودفتر جلده بني.
زينب قربت، ولما شافت الصورة، إيديها بدأت ترتعش. — ده… ده منصور بيه! حمدان بص لها بسرعة. — تعرفيه؟ — شفته في الصورة اللي كانت عند مبروك.
كان بيقول إنه اتوفى من زمان، وإن كل الورق اللي كان يملكه اتحرق معاه. حمدان مسك الدفتر وفتحه، ولقى في أول صفحة جملة مكتوبة بخط أبوه: “لو الورق ده وصل لحد أمين، يبقى الحق لسه فيه نفس، حتى لو أصحابه اتوفوا.
” وفي آخر الدفتر كان فيه رسم لمخزن قديم، وتحت الرسم جملة: “المفتاح عند أمينة، والحق في صندوق الحديد.” زينب شهقت وهي بتقرب من الصفحة. — أمينة دي أمي! حمدان رفع عينيه لها، وفجأة فهم إن وفاة أمها، ووفاة أبوه، وحريقة منصور بيه، كلهم ممكن يكونوا مرتبطين بسر واحد.
لكن قبل ما يلحق يقول أي حاجة، سمعوا صوت خبطة عنيفة على باب البيت. وبعدها صوت مبروك الشهاوي وهو بيزعق من بره: —
افتح يا حمدان! عارف إنك صاحي! أنا جاي آخد حقي، والبنت اللي إنت فاكر إنك أنقذتها! زينب شحب لونها، وحطت إيدها على فمها. حمدان قفل الدفتر، وخبّاه تحت جلابيته، وبص لها بنظرة حاسمة. — ادخلي الأوضة واقفلي الباب. — لأ! كانت دي أول مرة ترفع صوتها قدامه من غير خوف.
— مش هستخبى تاني. طول عمري بهرب، وطول عمري بخليهم يقرروا عني. المرة دي مش هسيبهم ياخدوا مني حاجة تاني. حمدان بص لها لحظة، وبعدين هز راسه باحترام. — يبقى تقفي ورايا، وتعملي اللي هقولك عليه. مش عشان إنتِ ضعيفة، لكن عشان اللي بره ممكن يعمل أي حاجة.
راح ناحية الباب، وفتحه فجأة. مبروك كان واقف قدامه ومعاه أربعة رجالة، وفي إيده عصاية غليظة، وابتسامته الماكرة مالية وشه. — يا أهلا بالعريس! قلت أجيلك أطمن على عروستك. أصل أنا قلبي عليها، وخايف تكون تعبتك من أول ليلة. حمدان وقف في المدخل وسد الطريق بجسمه.
— قول اللي عندك يا مبروك وامشي. مبروك ضحك. — أنا عايز البنت. — البنت مش حاجة عندك عشان تيجي تاخدها. ابتسامة مبروك اختفت. — إنت فاكر نفسك بطل يا حمدان؟ دفعت خمسين جنيه دهب وافتكرت إنك اشتريت رجولة البلد كلها؟
البنت دي عليها دين، وأبوها ماضي على ورقة إنها تبقى عندي لحد ما يسدد اللي عليه. زينب خرجت من ورا حمدان، ووقفت جنب الباب. —
أبويا ما يملكش يبيعني، وإنت ما تملكش تشتري إنسانة. مبروك بص لها، وضحك باستهزاء. — أهو المسخ اتكلم! طب ما تيجي معايا بدل ما أخلي الرجالة دي تدخل تجيبك؟ حمدان قبض إيده. — كلمة كمان، وهتندم إنك جيت لحد هنا. مبروك رفع العصاية، وأشار لرجالته. — ادخلوا هاتوا البنت!



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.