قفلت التلفزيون. آدم كان قاعد على المكتب بيشتغل على أول لعبة إلكترونية بيصممها، وليلى كانت بترسم فستانًا جديدًا في كراسة كبيرة. بصيت لهم، وحسيت براحة عمري ما عرفتها من عشر سنين. مش لأن ياسين اتعاقب. ولا لأن شركته اتعرضت لأزمة.
ولا لأن الناس عرفت الحقيقة. لكن لأن ولادي بقوا عارفين إن قيمتهم مش مرتبطة بوجود أبوهم في حياتهم، وإنهم مش محتاجين يثبتوا لأي حد إنهم يستحقوا الحب. المفاجأة الأخيرة اللي مكنتش في الحسبان بعد شهرين، كنت راجعة من شغلي، ولقيت آدم مستنيني على باب الشقة.
ماما، عايز أسألك سؤال. اتفضل يا حبيبي. لو إحنا كنا فضلنا طول عمرنا من غير ما نعرف بابا، كنتِ هتكوني سعيدة؟ السؤال فاجأني. قعدت جنبه وقلت أنا كنت هكون سعيدة بيكم، زي ما أنا سعيدة بيكم دلوقتي. لكن مكنتش هكون سعيدة إن حد أخفى عنكم الحقيقة.
فيه فرق كبير. آدم فكر شوية، وبعدين قال أنا مش مسامحه على كل حاجة. بس أنا مبسوط إنه بقى بييجي، وبيسمعني وأنا بتكلم عن مشروعي. ابتسمت. وده كفاية دلوقتي. ليلى خرجت من أوضتها وهي شايلة رسمة جديدة. ماما، أنا رسمت حاجة ليكي.
خدت الورقة، ولقيت رسمة لينا إحنا التلاتة، واقفين قدام بيتنا، وإحنا ماسكــ,,ـــــين إيد بعض. وفي طرف الرسمة، كان فيه راجل واقف بعيد شوية، مش جوه الدايرة اللي حوالينا، لكنه مش برّه الصورة تمامًا. بصيت لها وسألتها ده بابا؟ هزت راسها.
أيوه. أنا حطيته بعيد شوية، عشان لسه بنتعرف عليه. بس لو فضل كويس، ممكن نقربه في الرسمة الجاية. ضحكت، . كانت جملة طفلة، لكنها لخّصت كل اللي حصل. ياسين ممكن يتغير، وممكن يبقى أب كويس، وممكن ياخد فرصة جديدة. لكن الفرصة دي مش حق مكتسب.
دي حاجة لازم يكسبها كل يوم. أما سوسن هانم، فبعد انتهاء التحقيقات والإجراءات القانونية المتعلقة بالمخالفات اللي ثبتت مسؤوليتها عنها، فقدت نفوذها القديم داخل الشركة، واضطرت تواجه نتائج قراراتها بعيدًا عن الصورة المثالية اللي كانت بتحاول تحافظ عليها.
وياسين لم يستعد حياته القديمة كما كانت، لكنه أعاد بناء حياته على أسس مختلفة، وبدأ يشارك في تربية ولاده من غير ما يحاول التحكم فيهم أو شراء رضاهم. أما أنا، ففضلت مريم عبدالسلام. مش زوجة الملياردير، ولا الست اللي رجعت تنتقم من طليقها، ولا الأم اللي استخدمت ولادها عشان تهدم إمبراطوريته.
أنا الست اللي اتخذلت، وقامت، وربّت طفلين لوحدها، وقررت إنها مش هتسمح للماضي يسرق منها المستقبل. وفي يوم، بعد ما آدم وليلى ناموا، وصلني من ياسين رسالة قصيرة شكرًا إنك مكنتيش سبب في إنهم يكرهوني قبل ما يعرفوني. وشكرًا إنك علمتيهم إن الإنسان بيتحاسب على أفعاله، مش على أخطاء أهله.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.